السيد عبد الله شبر
429
مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار
أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا » « 1 » يعني أعمى عن الحقائق الموجودة ، وقد علم ذووا الألباب أنّ الاستدلال على ما هنالك لا يكون إلّابما هاهنا » يعني أنّ الاستدلال على أحوال الآخرة لا يكون إلّابما في الدنيا وما يكون فيها . وقيل : المراد بقوله « ما هناك » صفاته تعالى و « بما هاهنا » الوحي والرسل ، يعني : أنّه لا يمكن الاستبداد في معرفته تعالى بالعقل ، بل لابدّ من الرجوع إلى السفراء بينه وبين الخلق بقرينة قوله عليه السلام : « ومن أخذ علم ذلك » أي علم ذاته وصفاته « برأيه ، فطلب وجوده وإدراكه عن معرفة نفسه دون غيرها لم يزدد من علم ذلك إلّابُعداً ؛ لأنّ اللَّه عزّ وجلّ علم ذلك خاصّة » كما ورد : « يا من لا يعلم ما هو إلّاهو « 2 » » . وقال سيّد الأنبياء : « سبحانك ما عرفناك حقّ معرفتك « 3 » » فاختصاص ذلك به تعالى معلوم « عند قوم يعلمون ويعقلون ويفهمون » حيث اعترفوا بالعجز عن معرفته . قال عمران : يا سيّدي ، ألاتخبرني عن الإبداع خلق هو أم غير خلق ؟ قد تقدّم أنّ الإبداع هو الإرادة ، ويجوز إرادتهما هنا ، إلّاأنّ إرادة الإيجاد هو الأظهر وهو أحد معاني الإرادة . قال له الرضا عليه السلام : « بل خلق ساكن » . قيل : أي : نسبة وإضافة بين العلّة والمعلول ، فكأنّه ساكن فيهما ، أو عرض قائم بمحلّ لا يمكن مفارقته ، ويجوز أن يكون معناه : أنّه غير موجود في الخارج « لا يدرك بالسكون » أي أنّه أمر اعتباريّ إضافيّ ينتزعه العقل ولا يشار إليه في الخارج ، « وإنّما صار » الإبداع « خلقاً لأنّه شيء محدث » ، أي لأنّ هذه النسبة والتأثير غيره تعالى وهو محدث ، وكلّ محدَث معلول ، فلا يتوهّم أنّه خلق يحتاج إلى تأثير آخر ، وهكذا حتّى يتسلسل ، « واللَّه الذي أحدثه فصار خلقاً له ، وإنّما هو اللَّه عزّ وجلّ وخلقه لا ثالث بينهما ولا ثالث غيرهما ، فما خلق اللَّه عزّ وجلّ لم يعد »
--> ( 1 ) . الإسراء ( 17 ) : 72 . ( 2 ) . بحار الأنوار ، ج 10 ، ص 316 . ( 3 ) . عوالي اللآلي ، ج 4 ، ص 132 ، ح 227 .